أحمد بن محمد القسطلاني
373
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
من خلط ذلك بالكبائر مات مصرًا عليها ، لم تكن أسنانه قوية ، فربما طال علاجه . وهذا رواه ابن إسحاق في السير ، مرفوعًا بلفظ : إن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لما أرسل العلاء بن الحضرمي قال له : إذا سئلت عن مفتاح الجنة ؟ فقل : مفتاحها لا إله إلا الله . وروي عن معاذ بن جبل ، مما أخرجه البيهقي في الشعب ، مرفوعًا نحوه ، وزاد : ولكن مفتاح بلا أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلاّ لم يفتح لك . وهذه الزيادة نظير ما أجاب به وهب ، فيحتمل أن تكون مدرجة في حديث معاذ . 1237 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَالَ : بَشَّرَنِي - أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " . [ الحديث 1237 - أطرافه في : 1408 ، 2388 ، 3222 ، 5827 ، 6268 ، 6443 ، 6444 ، 7487 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل ) المنقري التبوذكي . قال : ( حدّثنا مهدي بن ميمون ) بفتح الميم فيهما ، الأزدي ، قال : ( حدّثنا واصل ) هو : ابن حيان بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية ( الأحدب ، عن المعرور ) بفتح الميم وإسكان العين المهملة وبالراء المكررة ( ابن سويد ، عن أبي ذر ) جندب بن جنادة ( رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( أتاني ) في المنام ( آت ) هو جبريل ( من ربي فأخبرني - أو قال : بشرني - ) جزم في التوحيد بقوله : فبشرني ( أنه من مات من أمتي ) أمة الإجابة أو أمة الدعوة ( لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ) نفي الشرك يستلزم إثبات التوحيد . قال أبو ذر : ( قلت ) لأبي الوقت في نسخة ، ولأبي ذر : فقلت : أيدخل الجنة ( وإن زنى وإن سرق ) وللترمذي ، قال أبو ذر : يا رسول الله ! وجملة الشرط في محل نصب على الحال . ( قال : وإن زنى وإن سرق ) يدخل الجنة . لا يقال : مفهوم الشرط أنه إذا لم يزن ولم يسرق لا يدخل إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط ، لأنه على حد : " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " ، فمن لم يزن ولم يسرق أولى بالدخول ممن زنى وسرق . واقتصر من الكبائر على نوعين ، لأن الحق إما لله ، أو : للعباد ، فأشار بالزنا إلى حق الله ، وبالسرقة إلى حق العباد . لكن الذي استقرت عليه قواعد الشرع أن حقوق الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان نعم ، لا يلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يدخله الجنة . ومن ثم ، ردّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، على أبي ذر استبعاده ، أو المراد بقوله : دخل الجنة أي : صار إليها إما ابتداءً من أول الحال ، وإما بعد أن يقع ما يقع من العذاب ، نسأل الله العفو والعافية . وفي الحديث دليل على أن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان ، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقًا ، وأنها لا تحيط الطاعات . 1238 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ . وَقُلْتُ أَنَا : مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ " . [ الحديث 1238 - طرفاه في : 4497 ، 6683 ] . وبه قال : ( حدّثنا عمر بن حفص ) النخعي ، قال : ( حدّثنا أبي ) حفص بن غياث ( قال : حدّثنا الأعمش ) سليمان بن مهران قال : ( حدّثنا شقيق ) أبو وائل بن سلمة ( عن عبد الله ) بن مسعود ( رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كلمة : ( من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار ) وسقط لأبي ذر ، وابن عساكر : شيئًا . قال ابن مسعود : ( وقلت أنا : ) كلمة أخرى ( من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ) لأن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب . فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار ، وإذا انتفى دخول النار لزم دخول الجنة ، إذ لا دار بين الجنة والنار . وأصحاب الأعراف قد عرف استثناؤهم من العموم ، ولم تختلف الروايات في الصحيحين في أن المرفوع : الوعيد ، والموقوف : الوعد . نعم ، قال النووي : وجد في بعض الأصول المعتمدة من صحيح مسلم عكس هذا ، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة " ، قلت أنا : ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار . وهكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، عن صحيح مسلم ، وكذا رواه أبو عوانة في كتابه المخرج على مسلم ، والظاهر أن ابن مسعود نسي مرة ، وهي الرواية الأولى ، وحفظ مرة وهى الأخرى فرواهما مرفوعين ، كما رواهما جابر عند مسلم بلفظ : قيل يا رسول الله ، ما الموجبتان ؟ قال : " من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار " لكن : قال في الفتح : إنه وهم ، وإن الإسماعيلي بيَّن أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاري ، وبذلك جزم ابن خزيمة في صحيحه . والصواب رواية الجماعة . وتعقبه العيني فقال : كيف يكون وهمًا وقد وقع عند مسلم ؟ كذا قال : فليتأمل . قال في المصابيح : وكأن المؤلّف أراد أن يفسر معنى قوله : من كان آخر كلامه بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا ، ولا يشترط أن يتلفظ